أشرف معالي الوزير الأول، السيد المختار ولد اجاي، مساء اليوم الأحد بالمركب الأولمبي في نواكشوط، على اختتام فعاليات النسخة الثالثة من معرض “اكسبو موريتانيا 2026″، المنظم تحت شعار “صنع في موريتانيا”.
وتجوّل معالي الوزير الأول في مختلف أجنحة المعرض، حيث اطّلع على نماذج متنوعة من منتجات وأنشطة الشركات الصناعية والتجارية والخدمية، التي استعرضت أحدث ابتكاراتها ومشاريعها، إلى جانب الفرص الاستثمارية التي تتيحها. كما وقّع معاليه على السجل الذهبي للمعرض.
وفي ختام الزيارة، قال معالي الوزير الأول، في تصريح صحفي، إن ما خرج به من ملاحظات وانطباعات بعد جولته في أروقة المعرض، هو في الحقيقة ما عبّر عنه فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، بعد زيارته لمختلف أروقة المعرض في يوم افتتاحه، مبرزا أن ذلك هو الانطباع ذاته الذي سيخرج به أي زائر ومتابع لتطور هذا المعرض خلال السنوات الثلاث الماضية.
وأكد معالي الوزير الأول أن قطاع الصناعة الوطنية يشهد ديناميكية متسارعة، وبدأ يتحرك على السكة تحرك الواثق، مشيرا إلى أن هذا التطور لم يأت من فراغ، وإنما جاء نتيجة عمل دؤوب بدأته الحكومة، تجسيدا لرؤية فخامة رئيس الجمهورية، القائمة على ضرورة تحقيق السيادة الصناعية، وخلق قيمة مضافة للموارد المحلية.
وبيّن أن هذه الرؤية تمثل الصيغة الكفيلة بتشغيل الشباب، وتوفير العملة الصعبة، وخلق قيمة مضافة، وتحقيق السيادة في أوقات الأزمات، بما يمنح البلاد القدرة على تلبية حاجات المواطنين، دون الوقوع في أوضاع صعبة كتلك التي تمر بها الدول التي لا تمتلك قدرات إنتاجية محلية.
وأضاف أن الحكومة تعمل، إلى جانب القطاع الخاص الوطني، على تجسيد هذه الرؤية، مبرزا أن القطاع الخاص لبّى مختلف النداءات التي وجهها فخامة رئيس الجمهورية في هذا الاتجاه.
وفي سياق حديثه عن التحديات، شدد معالي الوزير الأول على أن إشكالية الكهرباء كانت العائق الأبرز أمام تطور الصناعة، مؤكدا أن الحكومة شرعت في تنفيذ حلول عملية لتجاوزها، من خلال إطلاق مشاريع كبرى لإنتاج الطاقة، من شأنها مضاعفة القدرة الكهربائية الوطنية في أفق قريب.
وأوضح أن هناك محطتين كبيرتين بدأ العمل فيهما؛ إحداهما سنة 2025، والأخرى سنة 2026، تبلغ سعة إحداهما 225 ميغاوات بشراكة بين القطاعين العام والخاص، فيما تبلغ قدرة الثانية 72 ميغاوات، وهي ممولة من ميزانية الدولة الموريتانية بحوالي 32 مليار أوقية، وتعد أول محطة كهربائية تمول من ميزانية الدولة.
وقال معالي الوزير الأول إن هاتين المحطتين ستبدآن الإنتاج قبل نهاية سنة 2026، مبرزا أن الحكومة تتابع يوميا الالتزام بالآجال المحددة، وأن ذلك سيعطي دفعا كبيرا لإنتاج الكهرباء في البلاد.
وأشار إلى أن العمل جارٍ على مشروع محطة ثالثة لتوليد الكهرباء باستخدام الغاز، بقدرة تصل إلى 225 ميغاوات، حيث توجد حاليا في مرحلة استكمال المفاوضات تمهيدا لتوقيع الاتفاق مع المطور خلال الأسابيع المقبلة. ومن المتوقع، بإذن الله، أن تدخل هذه المحطة حيز الإنتاج مع نهاية عام 2028 أو بداية 2029، مما سيوفر إضافة نوعية لقدرات البلاد الكهربائية.
وأوضح معالي الوزير الأول أن إجمالي القدرات الإنتاجية المرتقبة سيبلغ نحو 500 ميغاوات، بل سيتجاوز هذا المستوى، وهو ما يفوق حجم الإنتاج الحالي للطاقة في البلاد.
وأكد أن جهود الحكومة لا تقتصر على تعزيز الإنتاج، بل تمتد إلى تطوير منظومة نقل الكهرباء، من خلال برنامج شامل لتأهيل الشبكة القائمة وتوسيعها عبر مدّ خطوط الجهد العالي، مشيرا إلى أن من أبرز هذه المشاريع مشروع الربط الكهربائي بين نواكشوط ومدينة النعمة، الذي تتجاوز تكلفته 830 مليون دولار.
وأشار إلى أن هذا المشروع يُعد الأكبر من نوعه منذ الاستقلال، بعد تأمين تمويله وإطلاق عدد من مناقصاته، على أن يتم وضع حجر الأساس له خلال الأشهر القليلة المقبلة.
وأضاف معالي الوزير الأول أن القطاع الخاص استوعب حجم هذه التحولات، خاصة مع بدء معالجة التحديات الجوهرية التي كانت تعيق الاستثمار، مما أسهم في تسارع وتيرة المبادرات الصناعية في مختلف القطاعات. ولفت إلى أن بعض هذه المشاريع دخل حيز التنفيذ بالفعل، في حين لا يزال العديد منها في مراحل التحضير.
وأكد أن هذه الديناميكية المتنامية دفعت الحكومة إلى اتخاذ قرار بإنشاء منطقة صناعية جديدة، نظرا لعدم قدرة المدن، خصوصا مراكزها الحضرية، على استيعاب هذا التوسع الصناعي المتسارع، كما كان الحال في السابق.
وأفاد معالي الوزير الأول بأن وزارة المعادن والصناعة أطلقت هذا الأسبوع مناقصة لإعداد دراسة علمية شاملة خاصة بإنشاء المنطقة الصناعية الجديدة، التي جرى تحديد موقعها سلفا، على أن تكون من أكبر المناطق الصناعية في الإقليم، بمساحة تفوق 800 هكتار، مبرزا أنها تتمتع بمقومات استراتيجية مهمة، تشمل توفر الطاقة، وبنية كهربائية متقدمة، وخدمات اتصال حديثة، إلى جانب قربها من الموانئ والمحاور الطرقية، ما يجعلها بيئة جاذبة للاستثمار الصناعي.
وشدد معالي الوزير الأول على أن هذه الديناميكية المتنامية في القطاع الصناعي ينبغي أن تُوجَّه وفق رؤية فخامة رئيس الجمهورية، من خلال ثلاثة مرتكزات رئيسية، يتمثل أولها في ترسيخ معايير الجودة، حيث لا يمكن القبول بصناعات أو منتجات لا تستجيب للمواصفات المطلوبة، سواء كانت موجهة للسوق المحلية أو للتصدير.
وأضاف أن المرتكز الثاني يكمن في تمكين اليد العاملة الوطنية، عبر منحها الأولوية في مختلف الأنشطة الصناعية، مؤكدا أن بناء صناعة مستدامة لا يتحقق بالاعتماد على العمالة الأجنبية، بل بسواعد وكفاءات الشباب الموريتاني، بما يعزز السيادة الاقتصادية ويضمن استمرارية النمو.
وأشار إلى أن تحقيق هذه الأهداف يقتضي مضاعفة الجهود في مجالي التكوين المهني والتعليم العالي، إلى جانب ترسيخ شراكات فعّالة بين القطاع الخاص والمؤسسات التعليمية، بما يضمن مواءمة حقيقية بين مخرجات التكوين ومتطلبات سوق العمل. ولفت إلى أن حضور عدد من مؤسسات التعليم العالي والتكوين المهني في المعرض يبعث برسالة واضحة مفادها أن هذا التكامل هو السبيل الأمثل لخلق آلاف فرص العمل القادرة على استيعاب الشباب.
وأوضح معالي الوزير الأول أن المرتكز الثالث يتمثل في تعزيز القيمة المضافة، من خلال توجيه استثمارات نوعية تسهم في تطوير مختلف القطاعات الاقتصادية. وأكد أن هذا التوجه لا يقتصر على القطاع الصناعي وحده، بل يمتد ليشمل مجالات واعدة أخرى تمتلك فيها البلاد مزايا تنافسية معتبرة، تعمل الحكومة على تنميتها بنفس القدر من العزم والالتزام، تجسيدا لرؤية فخامة رئيس الجمهورية.
وأضاف أن تكامل هذه القطاعات كفيل بإرساء دعائم اقتصاد وطني قوي ومتوازن، قادر على تحقيق التنمية المستدامة، وبناء بنية تحتية متينة، وتمكين الشباب من الإسهام الفاعل في مسيرة التنمية.
وفي هذا السياق، بيّن معالي الوزير الأول أن قطاع الزراعة يشهد هو الآخر ثورة كبيرة ستظهر آثارها في هذا المعرض، وأن هناك عملا كبيرا ومفاجآت مهمة تعمل عليها الحكومة، يرجى أن تظهر للعلن قريبًا.
وأضاف أن قطاع الصيد يحظى بدوره بتفكير استراتيجي من أجل استغلال هذه الثروة الكبيرة والمتجددة الاستغلال الأمثل، مشيرا إلى وجود عمل كبير يجري التفكير فيه حاليا مع القطاع الخاص، ويرجى أن يتبلور في مبادرات ملموسة خلال الأسابيع المقبلة.
وأكد أن القطاع المعدني يشهد بدوره تطورا مهما، موضحا أن البلاد منذ الاستقلال لم تستغل سوى ثلاثة معادن كبيرة، مثل تلك التي تستغلها سنيم وتازيازت وإم سي إم، رغم امتلاكها ثروات معدنية كبيرة.
وبيّن أن الرؤية التي لدى فخامة رئيس الجمهورية، والعمل الذي تبذله الحكومة، بدأ يعطي ثماره، معربا عن أمله في أن يرى الجميع، قبل نهاية هذه السنة إن شاء الله، وضع حجر الأساس لمناجم جديدة كبيرة، من بينها ثلاثة أو أربعة مناجم يؤمل أن يوضع حجر الأساس لها هذه السنة، مشيرًا إلى أن العمل نفسه يتم في قطاع التنمية الحيوانية.
وأكد معالي الوزير الأول أن الآفاق الاقتصادية للبلاد واعدة، غير أن تحويل هذه الفرص إلى نتائج ملموسة يظل مرتبطا بضرورة تغيير العقليات، وحسن استثمار الوقت فيما هو نافع، لاسيما في مجالات التعليم والدراسة والعمل الجاد.
وشدد على أن تلاقي جهود المواطنين مع ما تبذله الحكومة من عمل سيقود حتما إلى تحقيق النتائج المرجوة، في حين أن غياب هذا التكامل لن يفضي إلا إلى بقاء الجهود في إطار الأقوال دون أثر عملي.
وختم معاليه بالتأكيد على اعتزاز الحكومة بما يقدمه القطاع الخاص الوطني من جهود، معولا عليه في مواصلة هذه الديناميكية وتعزيزها، بما يخدم مصلحة المواطن الموريتاني ويدعم مسار التنمية.

